أخبار سياسية - اقتصادية - فنية - رياضية - عربية - دولية

الدكرورى يكتب عن المنّ والسلوي في رحلة التيه ” جزء 13″

بقلم / محمـــد الدكـــرورى

 

ونكمل الجزء الثالث عشر مع المنّ والسلوي في رحلة التيه، وقد أخبرنا الله تعالى في القرءان أن بني إسرائيل كانوا قبل بعثة نبى الله موسى عليه السلام مستضعفين في الأرض فقد كان فرعون يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فنجاهم الله تعالى من كل ذلك على يدي نبى الله موسى عليه السلام وقد كان لنبى الله موسى عليه السلام مع قومه أخبار وحوادث كثيرة، وهى إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن سر ببني إسرائيل حتى تدخل الأرض المقدسة، فقد كتبتها لكم، فاخرج إليها فجاهد من فيها بمن معك من بني إسرائيل، فإني ناصركم، فانطلق نبى الله موسى بمن معه من بني إسرائيل فقالوا يا موسى، إنا لا نعرف الطريق، ولا علم لنا بالأرض ومدخلها ومخرجها، ورجالها وحصونها.

 

فبعث موسى اثني عشر نقيبا إلى الأرض، ليتحسسوا لهم الأرض، وأقام موسى مكانه وجعل عليهم يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان في ما بين الشام وبين بني إسرائيل في مصر مفاوز ليس بها ماء فدعا لهم نبى الله موسى بالرزق، فأنزل الله عليهم في مسيرهم المن والسلوى، وفجّر لهم من الحجارة عيون ماء من موضع موسى إلى أرض أريحا، وأقام موسى بمكانه، فقالت بنو إسرائيل كيف لنا بهذا المسير البعيد الذي لا نقوى فيه على حمل الماء وصنعة الطعام؟ يعول الرجل منا أربعمائة عيل، فأي ماء يسعهم وأي طباخ يكفيهم، وأي دار تكنهم حتى تبلغهم؟ وأي خباء يسعهم؟ وليس بيننا وبين الأرض المقدسة مدائن الأسواق، فادع لنا ربك يكفينا مؤنة هذا السعي.

 

فأوحى الله إلى موسى أن أعلمهم أني قد أعلمتك وأعطيتك ما سألوا، فقل لهم، أما ما سألتم من الطعام فإن الله يمطر لكم السماء بالمن خبزا مخبوزا طعمه كطعم الخبز المأدوم بالسمن والعسل ومسخر لكم الريح فتنسف لكم طير السلوى، فتوسعكم لحما ما أكلتم، وأما ما تحتاجون إليه من الماء فيفجر لكم من الحجر ماء رواء حيث نزلتم، فيسعكم لشربكم وطهوركم، وأما ما أردتم من الكن والظل، فيسخر لكم الغمام فيظلكم من فوقكم ويكنكم من البرد والحر والريح، فقالوا يا موسى نقيم حتى يرجع إلينا النقباء فيخرجوننا، فأمر نبى الله موسى النقباء أن يسيروا، فأتوا الأرض المقدسة، وارتحل موسى ومعه بنو إسرائيل لدخول الأرض المقدسة، فكانوا إذا نزلوا ليرتاحوا.

 

ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فكانت تجري إلى كل سبط عين تدخل عسكرهم، وكانت السماء تمطر عليهم خبز المن، وتنسف عليهم الريح طير السلوى، وتذري رأسه عنه فيصير مصفى ليس فيه ريش فيصبح في العسكر ركامان عظيمان من خبز وطير، فيأكلون ويحملون، وبنى إسرائيل قد اختلف علماء العصر في بيان معاني هذه الآيات والمقصود منها الإفساد، فمنهم من قال إن مرتين الإفساد قد وقعتا، قبل الإسلام، وعوقب بنو إسرائيل أو اليهود عليهما من الله سبحانه وتعالى، وإن اختلفوا في نوع الإفساد الذي وقع منهم وفي زمنه، والغالب أنه استحلالهم المحرمات، ونقضهم العهود، وانتهاكهم للحرمات بين بعضهم وبعض، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض.

وتمردهم على أنبيائهم، إلى حد القتل، وقد قتلوا نبى الله زكريا ويحيى عليهما السلام، وتآمروا على المسيح عليهم السلام، إلى آخر ما سجله القرآن الكريم عليهم من تجاوزات وانحرافات خطيره في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن الكريم، وكما اختلف المفسرون في حقيقة العقوبة التي نزلت عليهم،

ومن هم الذين سلطوا عليهم، جزاء ما صنعت أيديهم؟ وأكثر الأقوال أن أولى العقوبتين كانت تسليط البابلين عليهم، فهزموهم شر هزيمة، وأزالوا دولتهم، وخربوا ديارهم، وحرفوا توراتهم، وأخذوهم أسرى إلى بابل، فعاشوا في النفي المذل، والغربة الأليمة سبعين عاما، وأما العقوبة الثانية، فكانت ضربة الرومان لهم، التي أنهت الوجود الإسرائيلي أو اليهودي من فلسطين، وفرقتهم في أنحاء الأرض.